محمد جمال الدين القاسمي

278

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ورويّة وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً نهي عما هو نتيجة لترك المأمور به ، وتعيين لمادة مهمة من المواد التي يجب فيها التبيين . أي : لا تقولوا ( لمن أظهر الانقياد لدعوتكم فقال : لا إله إلا اللّه ، أو سلّم عليكم فحياكم بتحية الإسلام ) : لست مؤمنا في الباطن . وإنما قلته باللسان لطلب الأمان . بل اقبلوا منه ما أظهره وعاملوه بموجبه تَبْتَغُونَ أي : تطلبون بقتله عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي : ماله الذي هو سريع النفاد . والجملة حال من فاعل ( لا تقولوا ) منبئة عما يحملهم على العجلة وترك التأنّي . وقوله تعالى فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ تعليل للنهي عن ابتغاء ماله بما فيه من الوعد الضمنيّ . كأنه قيل : لا تبتغوا ماله ، فعند اللّه مغانم كثيرة يغنمكموها ، فيغنيكم عن ارتكاب ما ارتكبتموه . أفاده أبو السعود . ثم قال : وقوله تعالى كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ . تعليل للنهي عن القول المذكور . أي : مثل ذلك الذي ألقى إليكم السلام ، كنتم أنتم أيضا . في مبادئ إسلامكم . لا يظهر منكم للناس غير ما ظهر منه لكم ، من تحية الإسلام ونحوها . فمنّ اللّه عليكم ، بأن قبل منكم تلك المرتبة ، وعصم بها دماءكم وأموالكم ، ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم . والفاء في قوله تعالى فَتَبَيَّنُوا فصيحة . أي : إذا كان الأمر كذلك ، فاطلبوا بيان هذا الأمر البيّن وقيسوا حاله بحالكم . وافعلوا به ما فعل بكم . في أوائل أموركم . من قبول ظاهر الحال ، من غير وقوف على تواطؤ الظاهر والباطن إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك . قال ابن كثير ( في سبب نزولها ) : أخرج الإمام أحمد عن عكرمة عن ابن عباس قال : مرّ رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يرعى غنما له . فسلم عليهم . فقالوا : ما يسلم علينا إلا ليتعوذ منا . فعمدوا إليه فقتلوه . وأتوا بغنمه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . فنزلت هذه الآية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا . . . إلى آخرها . ورواه الترمذيّ « 1 » ثم قال : هذا حديث حسن صحيح . وفي الباب عن أسامة بن زيد . ورواه الحاكم وصححه . وروى البخاريّ « 2 » عن عطاء عن ابن عباس في هذه

--> ( 1 ) أخرجه الترمذيّ في : التفسير ، 4 - سورة النساء ، 16 - حدثنا عبد بن حميد ، ونصه : عن ابن عباس قال : مرّ رجل من بني سليم على نفر من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ومعه غنم له . فسلم عليهم . قالوا : ما سلّم عليكم إلا ليتعوّذ منكم . فقاموا فقتلوه وأخذوا غنمه . فأتوا بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فأنزل الله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 4 - سورة النساء ، 17 - باب وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً .